عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
529
اللباب في علوم الكتاب
الثاني : أنها عاطفتها على جملة قوله : فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [ النساء : 76 ] . الثالث : أنّها عاطفتها على جملة قوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ [ النساء : 75 ] . الرابع : أنها عاطفتها على جملة قوله : فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 74 ] . الخامس : أنها جواب شرط مقدّر ، أي : إن أردت فقاتل ، وأول هذه الأقوال هو الأظهر . فصل [ في الأمر بالجهاد ] فصل لما أمر بالجهاد في الآيات المتقدّمة ورغب فيه ، وذكر قلّة رغبة المنافقين في الجهاد ، عاد [ إلى ] « 1 » الأمر بالجهاد في هذه الآية . قوله : لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ في هذه الجملة قولان : أحدهما : أنها في محلّ نصب على الحال من فاعل « فقاتل » أي : فقاتل غير مكلّف إلا نفسك وحدها . والثاني : أنها مستأنفة أخبره - تعالى - أنه لا يكلّف غير نفسه . والجمهور على « تكلّف » بتاء الخطاب ورفع الفعل مبنيّا للمفعول ، و « نفسك » هو المفعول الثاني ، وقرأ عبد اللّه بن عمر « 2 » : « لا تكلّف » كالجماعة إلا أنه جزمه ، فقيل : على جواب الأمر ، وفيه نظر ، والذي ينبغي أن يكون نهيا ، وهي جملة مستأنفة ، ولا يجوز أن تكون حالا في قراءة عبد اللّه ؛ لأنّ الطّلب لا يكون حالا ، وقرىء « لا نكلف » بنون « 3 » العظمة ورفع الفعل ، وهو يحتمل الحال والاستئناف المتقدّمين . فصل في سبب نزول الآية روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واعد أبا « 4 » سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصّغرى في ذي القعدة ، فلما بلغ الميعاد دعا النّاس إلى الخروج فكرهه بعضهم ؛ فأنزل اللّه : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ « 5 » أي : لا تدع جهاد العدوّ ولو وحدك ، فإن اللّه قد وعدك بالنّصرة ، و حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ أي : حثّهم « 6 » ورغّبهم في الثّواب ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سبعين راكبا فكفاهم اللّه القتال . والتّحريض : الحثّ على الشيء ، قال الرّاغب « 7 » : كأنه في الأصل إزالة الحرض ، نحو : « قذيته » أي : أزلت قذاه ، وأحرضته : أفسدته كأقذيته ، أي : جعلت فيه القذى ، والحرض في الأصل : ما لا يعتدّ به ولا خير فيه ، ولذلك يقال للمشرف على الهلاك :
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 321 ، والدر المصون 2 / 404 . ( 3 ) ينظر : السابق . ( 4 ) في ب : بني . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) في أ : بينهم . ( 7 ) ينظر : المفردات ص 112 .